page_0012

OverviewTranscribeVersionsHelp

Here you can see all page revisions and compare the changes have been made in each revision. Left column shows the page title and transcription in the selected revision, right column shows what have been changed. Unchanged text is highlighted in white, deleted text is highlighted in red, and inserted text is highlighted in green color.

8 revisions
Wael Khattab at Mar 17, 2026 02:27 PM

page_0012


١٢ (البلاغ الأسبوعي في يوم الجمعة ٧ يناير ١٩٢٧)

سَاعَاتٌ بَيْنَ الكُتُب
الصبر على الحياة

لفت نظرى من أخبار الصحف كثرة حوادث الانتحار التى تقع في هذه السنوات وتفاهة الاسباب التي تبنى عليها بالقياس الى ما يعده الناس سبباً كافياً لنبذ الحياة ومفارقة الدنيا والمفارق لها باختياره على ثقة من العدم بعدها إن كان من منكرى الديانات كما يظن بالمنتحرين، أو على ثقة من العذاب إن كان مؤمنًا بالله واليوم الآخر ومصدقا بتحريم يقتل النفس ولو كان القاتل صاحبها وأحق الناس بصيانتها أو التفريط فيها
ففي مصر وفى اوروبا نسمع عن أنباء عجيبة من أنباء الانتحار ألفها الناس فكانت ألفتهم لها عجبا آخر من عجائبها الكثيرة. فهذا يقتل نفسه سآمة ومللا ولديه المال والصحة والوجاهة، وهذه تقتل نفسها حزنًا على فنان كانت تحب رواياته أو تأنق بشخصه، وغيرهما يقتل نفسه لغير سبب ظاهر أو مع ما يبدو للناس من توافر دواعي الحياة عنده وكثرة وسائل المتعة لديه. وتنتقل من هذه الفئة التي يكاد يكون انتحارها تبرعا لغير سبب إلى فئة أخرى تعرف أسباب سخطها على الحياة ولكنك لا ترى فيها وجهًا لطلب الموت والاقدام على أيأس اليأس الذي يقدم عليه انسان. وقد يسهل علينا تعليل ذلك كله باضطراب الاعصاب واختبال الحواس ولكنها مسألة يبقى فيها وراء هذا التعليل مجال للنظر وموضع للمقابلة والاعتبار
ان الانتحار داء قديم عرفته الأمم الغابرة فأحله أناس وحرمه آخرون، وكانوا في تحريمهم إياه على رأى يقرب من آراء المعاصرين في هذا الموضوع، ولكنا لا نخال النظرة التى كان ينظر بها الأقدمون الى "الموت المختار" تشبه نظرتنا نحن اليه أو أنهم كانوا يفكرون في دنياهم كما نفكر في دنيانا الآن
فكان فيثاغوراس ينكر الانتحار كما ينكره رجال الدين من المسلمين والمسيحيين أى انه يعتبره عصياناً لله وتمردًا على إرادته وينهي

الناس أن يبرحوا موقفهم في الحياة بغير إذن القائد الذى وقفهم فيه وهو الله. وكان بيوليوس شارح فلسفة افلاطون يقول ان الرجل العاقل لا يطرح بدنه أبداً الا بمشيئة الله. وحرم افلاطون الانتحار لاسباب كاسباب فيثاغوراس ولكنه أباحه عندما تقضى به الشريعة أو يهبط الانسان الى الدرك الأسفل من الفاقة
أما ارسطو وهو رجل الدولة بين الفلاسفة فقد حرمه لانه عدوان على حقوق الدولة المفروضة على الافراد. وهو سبب كما ترى يقارب السبب الذى بنى عليه تحريمه في القوانين الحديثة واستحقاق صاحبه العقوبة والملام. وقد وجد من المفكرين الاقدمين من أباح الانتحار كما أباحه دافيد هيوم الإنجليزي وشوبنهور الألماني في هذه العصور، وكان في طليعة أولئك المفكرين "سنيكا" الذى كان هو أحد عظماء المنتحرين المشهورين في تاريخ الرومان. ولكن سنيكا تجاوز كل حد وصل اليه فلاسفة الزمن الأخير في هذا المعنى الى تحبيذ الانتحار والاطناب في مدحه ووصف ترفيهه عن المتعبين والمعذبين
يقول "ليكي" مؤرخ الاخلاق الاوربية من اوغسطس الى شرلمان –وهو الذي نعتمد عليه في رواية هذه الآراء- انه "لا محل للشك في أن حكم الأقدمين على الانتحار يختلف اختلافا بعيداً عن حكمنا نحن عليه فقد تعاقبت المدارس الفلسفية باستحسانه ولم يبلغ قط على ما يظهر لنا في رأي منكريه مبلغ هذه الشناعة التي نسمه بها في الوقت الحاضر، ويرجع ذلك من الوجهة الاولى الى رأي الأقدامين في الموت ثم إلى إعتبار آخر علينا أن نذكره وهو أن المجتمع متى تعود مرة أن يقبل الانتحار فقد تزول عن الفعلة وصمتها الاجرامية بعد ان تزول عنها صبغة العار والمسبة، لان الذين يعتقدون أن الخجل والألم اللذين يجنيهما الانتحار على أسرة المنتحر ليسا هما كل جريمة الفعلة يسلمون

بأنهما من دواعي الغلو في الحكم عليها، فهذا الغلو اذن لم تكن له من داعية في تفكير القدماء
بل لقد كان ابيقور ينصح للناس بأن يزنوا ويدققوا الوزن ليعلموا هل هم يؤثرون أن يأتي الموت اليهم او أن يذهبوا هم باختيارهم الى الموت، وقد مات الشاعر لوكريتس أحد تلامذته بيده كما فعل كاسيوس واتيكوس صديق شيشرون وبترونيوس الشهوان وديودورس الفيلسوف. وكان بليني يقول ان حظ الانسان أرجح من حظ الآلهة في شيء واحد على الأقل وهو أنه قادر على الفرار بنفسه إلى القبر! وكان يقول ان من دلائل كرم العناية أنها ملأت الأرض بعقاقير شتى يجد فيها المتعبون طريقا الى الموت بغير عناء ولا ابطاء. ومن الذكريات التي تخطرها على بالنا الاشارة إلى شيشرون ذكرى هجسياس الذي كان الاقدمون يلقبونه بخطيب الموت، وكان معلما نابغا من معلمى المدرسة القروانية يرى أن السرور هوالغاية التي لا غاية بعدها للكائن العاقل وانه لما كانت الحياة موقرة بالهموم وكانت مسراتها زائفة سريعة الزوال فالموت هو أسعد نصيب يتوق اليه الإنسان. وقد بلغ من فصاحة لسانه ومن فتنة السحر الذى احاط به القبر ان تلامذته كانوا يقبلون فرحين على تحقيق وصاته وان كثيرين منهم اراحوا انفسهم بالانتحار من مضانك الحياة، وقد اشتدت اشتد خطر عدواه حتى قيل ان بطليموس اضطر آخر الأمر إلى نفيه من الإسكندرية"
"ولكنه في روما وبين الرواقيين الرومانيين كان للانتحار شأنه العظيم وفلسفته المتقنة. فقد كان قتل النفس منذ عهد عهيد كما روى في حادثتي كرتيوس ودشيوس شعيرة من شعائر الدين كأنها كانت بقية لشعيرة التضحية الآدمية، ثم جاءت في أواخر أيام الوثنية حوادث عدة جنحت بالآراء الى هذه الواجهة منها أمثولة "كاتو" الذي أصبح قدوة الرواقيين وأصبح انتحاره المسرحي عندهم سياقا للبلاغة والبيان. ومنها قلة المبالاة بالموت التي بثتها في النفوس مناظر المصارعة والجلاد وحوادث المئات من الاسرى الذين كانوا يأبون أن ينحروا أبناء وطنهم وأن يسخروا لتلهية أسيريهم فيديرون نصالهم إلى أعناقهم أو يلتمسوا لهم مهربا إلى

page_0012


١٢ (البلاغ الأسبوعي في يوم الجمعة ٧ يناير ١٩٢٧)

سَاعَاتٌ بَيْنَ الكُتُب
الصبر على الحياة

لفت نظرى من أخبار الصحف كثرة حوادث الانتحار التى تقع في هذه السنوات وتفاهة الاسباب التي تبنى عليها بالقياس الى ما يعده الناس سبباً كافياً لنبذ الحياة ومفارقة الدنيا والمفارق لها باختياره على ثقة من العدم بعدها إن كان من منكرى الديانات كما يظن بالمنتحرين، أو على ثقة من العذاب إن كان مؤمنًا بالله واليوم الآخر ومصدقا بتحريم يقتل النفس ولو كان القاتل صاحبها وأحق الناس بصيانتها أو التفريط فيها
ففي مصر وفى اوروبا نسمع عن أنباء عجيبة من أنباء الانتحار ألفها الناس فكانت ألفتهم لها عجبا آخر من عجائبها الكثيرة. فهذا يقتل نفسه سآمة ومللا ولديه المال والصحة والوجاهة، وهذه تقتل نفسها حزنًا على فنان كانت تحب رواياته أو تأنق بشخصه، وغيرهما يقتل نفسه لغير سبب ظاهر أو مع ما يبدو للناس من توافر دواعي الحياة عنده وكثرة وسائل المتعة لديه. وتنتقل من هذه الفئة التي يكاد يكون انتحارها تبرعا لغير سبب إلى فئة أخرى تعرف أسباب سخطها على الحياة ولكنك لا ترى فيها وجهًا لطلب الموت والاقدام على أيأس اليأس الذي يقدم عليه انسان. وقد يسهل علينا تعليل ذلك كله باضطراب الاعصاب واختبال الحواس ولكنها مسألة يبقى فيها وراء هذا التعليل مجال للنظر وموضع للمقابلة والاعتبار
ان الانتحار داء قديم عرفته الأمم الغابرة فأحله أناس وحرمه آخرون، وكانوا في تحريمهم إياه على رأى يقرب من آراء المعاصرين في هذا الموضوع، ولكنا لا نخال النظرة التى كان ينظر بها الأقدمون الى "الموت المختار" تشبه نظرتنا نحن اليه أو أنهم كانوا يفكرون في دنياهم كما نفكر في دنيانا الآن
فكان فيثاغوراس ينكر الانتحار كما ينكره رجال الدين من المسلمين والمسيحيين أى انه يعتبره عصياناً لله وتمردًا على إرادته وينهي

الناس أن يبرحوا موقفهم في الحياة بغير إذن القائد الذى وقفهم فيه وهو الله. وكان بيوليوس شارح فلسفة افلاطون يقول ان الرجل العاقل لا يطرح بدنه أبداً الا بمشيئة الله. وحرم افلاطون الانتحار لاسباب كاسباب فيثاغوراس ولكنه أباحه عندما تقضى به الشريعة أو يهبط الانسان الى الدرك الأسفل من الفاقة
أما ارسطو وهو رجل الدولة بين الفلاسفة فقد حرمه لانه عدوان على حقوق الدولة المفروضة على الافراد. وهو سبب كما ترى يقارب السبب الذى بنى عليه تحريمه في القوانين الحديثة واستحقاق صاحبه العقوبة والملام. وقد وجد من المفكرين الاقدمين من أباح الانتحار كما أباحه دافيد هيوم الإنجليزي وشوبنهور الألماني في هذه العصور، وكان في طليعة أولئك المفكرين "سنيكا" الذى كان هو أحد عظماء المنتحرين المشهورين في تاريخ الرومان. ولكن سنيكا تجاوز كل حد وصل اليه فلاسفة الزمن الأخير في هذا المعنى الى تحبيذ الانتحار والاطناب في مدحه ووصف ترفيهه عن المتعبين والمعذبين
يقول "ليكي" مؤرخ الاخلاق الاوربية من اوغسطس الى شرلمان –وهو الذي نعتمد عليه في رواية هذه الآراء- انه "لا محل للشك في أن حكم الأقدمين على الانتحار يختلف اختلافا بعيداً عن حكمنا نحن عليه فقد تعاقبت المدارس الفلسفية باستحسانه ولم يبلغ قط على ما يظهر لنا في رأي منكريه مبلغ هذه الشناعة التي نسمه بها في الوقت الحاضر، ويرجع ذلك من الوجهة الاولى الى رأي الأقدامين في الموت ثم إلى إعتبار آخر علينا أن نذكره وهو أن المجتمع متى تعود مرة أن يقبل الانتحار فقد تزول عن الفعلة وصمتها الاجرامية بعد ان تزول عنها صبغة العار والمسبة، لان الذين يعتقدون أن الخجل والألم اللذين يجنيهما الانتحار على أسرة المنتحر ليسا هما كل جريمة الفعلة يسلمون

بأنهما من دواعي الغلو في الحكم عليها، فهذا الغلو اذن لم تكن له من داعية في تفكير القدماء
بل لقد كان ابيقور ينصح للناس بأن يزنوا ويدققوا الوزن ليعلموا هل هم يؤثرون أن يأتي الموت اليهم او أن يذهبوا هم باختيارهم الى الموت، وقد مات الشاعر لوكريتس أحد تلامذته بيده كما فعل كاسيوس واتيكوس صديق شيشرون وبترونيوس الشهوان وديودورس الفيلسوف. وكان بليني يقول ان حظ الانسان أرجح من حظ الآلهة في شيء واحد على الأقل وهو أنه قادر على الفرار بنفسه إلى القبر! وكان يقول ان من دلائل كرم العناية أنها ملأت الأرض بعقاقير شتى يجد فيها المتعبون طريقا الى الموت بغير عناء ولا ابطاء. ومن الذكريات التي تخطرها على بالنا الاشارة إلى شيشرون ذكرى هجسياس الذي كان الاقدمون يلقبونه بخطيب الموت، وكان معلما نابغا من معلمى المدرسة القروانية يرى أن السرور هوالغاية التي لا غاية بعدها للكائن العاقل وانه لما كانت الحياة موقرة بالهموم وكانت مسراتها زائفة سريعة الزوال فالموت هو أسعد نصيب يتوق اليه الإنسان. وقد بلغ من فصاحة لسانه ومن فتنة السحر الذى احاط به القبر ان تلامذته كانوا يقبلون فرحين على تحقيق وصاته وان كثيرين منهم اراحوا انفسهم بالانتحار من مضانك الحياة، وقد اشتدت اشتد خطر عدواه حتى قيل ان بطليموس اضطر آخر الأمر إلى نفيه من الإسكندرية"
"ولكنه في روما وبين الرواقيين الرومانيين كان للانتحار شأنه العظيم وفلسفته المتقنة. فقد كان قتل النفس منذ عهد عهيد كما روى في حادثتي كرتيوس ودشيوس شعيرة من شعائر الدين كأنها كانت بقية لشعيرة التضحية الآدمية، ثم جاءت في أواخر أيام الوثنية حوادث عدة جنحت بالآراء الى هذه الواجهة منها أمثولة "كاتو" الذي أصبح قدوة الرواقيين وأصبح انتحاره المسرحي عندهم سياقا للبلاغة والبيان. ومنها قلة المبالاة بالموت التي بثتها في النفوس مناظر المصارعة والجلاد وحوادث المئات من الاسرى الذين كانوا يأبون أن ينحروا أبناء وطنهم وأن يسخروا لتلهية أسيريهم فيديرون نصالهم إلى أعناقهم أو يلتمسوا لهم مهربا إلى