٨ (البلاغ الاسبوعى فى يوم الجمعة ١٤ يناير سنة ١٩٢٧)
ولعلك لا تعلم ان ولدنا جاك قذف فى هذا
الصباح نافذة حجرة النوم باحدى لعباته الخشبية
فحطم زجاجها. وكنت أنوى أن أبعث فى طلب
الزجاج ليقوم باصلاحها. ولكنى أدركت أن
ليس فى استطاعتنا أن نسدد نفقة هذا الاصلاح
بعدما أقرضت أنت صاحبك تلك الجنيهات
الخمسة رحمة اللّه عليها. ما كان أفقرنا اليها بل
الى بعضها. اذن لا حيلة امامنا غير بقاء النافذة
المكسورة على حالها. ولعمرى ما أبدعه من
هواء قرير. وما أنسبه من طقس ندي بليل.
لطفل صغير عزيز على أبويه ينام معرضاً
لنافذة محطمة، وزجاج مكسور. وأنت
تعلم انه يشكو قبل هذا ذات رئتيه،
فلا عجب إذا رأينا تلك النافذة المحطمة غداً
مجهزة عليه. واذا مات هذا الطفل المسكين فان
جريرة موته واقعة على رأس أبيه اذ ليس
فى نفسى أى شك في عجزنا اليوم عن أصلاح
النوافذ المحطمة. ولكن كان فى إمكاننا اصلاحها
وقضاء حوائج كثيرة بجانب تغيير ألواحها،
لو لم ننكب بزوج أحمق يرمى بالخمسات من
الجنيهات الى يد أول سائل. وكف أول
مستقرض.
ولا تنس أن يوم الثلاثاء القادم ميعاد
استحقاق دفع قسط التأمين على "حتة" البيت
الذي أنعم اللّه به علينا. ضد الحريق. وأود
أن أعرف باللّه عليك كيف يتيسر لنا دفع ذلك
القسط. ان القيام بتسديده ضرب من المحال
ولا ريب. ولو ابقيت على تلك الجنيهات الخمسة
لاستطعنا دفعه بلا عناء. وهكذا نزلت أنت
عن تلك الفضلة النزر من المال ولم تحسب لقسط
التأمين أى حساب. والمصيبة أنك فعلت فعلتك
هذه فى الوقت الذى كثرت فيه حوادث الحريق
في المدينة كثرة لم يألف مثلها الناس فيما غبر من
الأيام. وسأضطر أنا الى قضاء الليل كله ساهرة
العين، لا يغمض لى جفن، ولا أذوق طعم
الوسن. مخافة أن تشب النار فى البيت ونحن
نيام. ولكن ماذا يهمك أنت من ذلك يا مستر
كولدر ما دمت فرحاً مسروراً فخوراً بقول الناس
عنك انه لرجل كريم "بحبوح" معطاء. ومن
يدرى فان زوجك وأولادك جميعاً سيموتون في
مضاجعهم طعاماً النيران، لأن السيد أعزه اللّه
خرج عن جنيهاته الحمسة لأحد الصحاب،
ولم يجعل لقسط التأمين أى خط أو حساب.
واذا عجزنا عن دفع قسط التأمين. راحت علينا
الاقساط التى دأبنا على الوفاء بها كل هذه
الأعوام والسنين. ولكن باللّه خبرني اين لقوم
مثلنا أن يؤمنوا على بيوتهم أو أرواحهم من
الطوارئ، والاحداث، اذا كان عميدهم يبعثر
الخمسات من الجنيهات ولا يدخرها لأيام الحاجة
وسوأة الافلاس
وقد كنت أحسبنا سنقضى الصيف فى
مصطاف جميل على ساحل البحر ترويحاً لصدر
طفلتنا كارولين الضعيفة المهدمة الصحة. ولكن
وا أسفاه لك أيتها الصبية العزيزة المسكينة.
ستلازمين هذا البيت طول أشهر القيظ فلا تنعمين
بعيش المصطاف. ولا تجدين ترويحا على
السواحل ولا فى الارياف. بل أكبر يقيني أن
هذه المسكينة ستذهب بذات الصدر وهي لا تزال
فى أول مراحل الشباب. أواه لك أيها الملاك
العذب الجميل. لست أشك فى أننى فاقدتك
وشيكا. ومحرومة منك عاجلا. وكان فى امكاننا
أن نعمل على نجاتك، ونحاول انقاذك من علتك.
ولكن هيهات لقوم أن ينقذوا أولادهم من
فاتكات العلل وهواجم الامراض والادواء،
ما داموا يرمون الجنيهات بالخمسات للصحاب
والاصدقاء، لقول الناس عنهم كرام اجواد
اخوان مروءة وسماحة وعطاء . . .
والان لست أدرى فى هذه الساعة أين
ذهب كلبنا العزيز وأنى تراه هرب. واكبر ظنى
أنه فى اللحظة التى كنت فيها تقرض صاحبكِ
تلك الجنيهات الخمسة، انفلت من الحانوت آبقاً
هاربا. وأنت تعلم أننى لا أدعه يخرج الى الطريق
مخافة أن يعدو عليه كلب مسعور مجنون فيعضه
ويعود الينا فيعض أطفالنا وينهش باسنانه لحمان
أولادنا الصغار. ولكنى اليوم لن أدهش ولن
أعجب اذا عاد الينا كلبنا يحمل داء الكلب ليعدى
به أهل البيت اجمعين. واذا وقع ذلك فماذا
يهمك أنت وماذا يفجعك، ما دمت تريد أن
تتراءى فى الناس بتلك الجنيهات الخمسة السيد
الكريم أخا الندى وأبا المروءة والوفاء.
ثم ألا تسمع مصراع الباب كيف تراه
لا ينفك أبداً "يرقع" ويضرب ويتخبط. اذا
لم تكن قد سمعته فاننى لا أزال اسمعه. ولا أزال
أعرف ماذا به. ولا أخالك تجهل ما حاجته.
انه يطلب خطافا جديداً. ويسألنا مشبكا
يقيمه بموضعه لا يتعداه ولا يفارقه. وقد كان
فى نيتى أن أبعث اليوم فى طلب "السمكرى"
ولكنى عدلت عن هذه النية اذ لا سبيل الى
انفاذها، وسيظل ذلك المصراع يتخبط الليل
كله ويزعج منامنا بصوته وجلبته. ما دمت قد
قذفت بتلك الجنيهات فى وجه الشيطان الرجيم
وقد وصلت بنا الحال الى حد عجيب،
وبلغت بنا أبعد غاية. فهذه هي الليلة الاولى
التى تناولت فيها العشاء مع عيالى خلوا من
"المخلل". مجرداً من "الحوادق" لفتح مغاليق
النفس الكارهة، وايثار الشهية النائمة "الميتة"
ولكن من أين لنا الحوادق. ومن أين لمثلنا
المخللات، وانت بسلامتك أصبحت "كريما"
لا تقرض الناس اقل من الخمسات. من الجنيهات
والان الا تسمع الجرذان والفيران تجرى
وتتسابق فى أرجاء المخدع، ان كنت لم تسمع
بها فاننى قد سمعت مواقع اقدامها الصغار الدقاق
وهي تجرى وتتراكض. ولو تواثبت هذه
الفيران فوق فراشك. بل لو جذبتك او سحبتك
من سريرك، لما اهتممت ولا اكترثت. ولعلك
قائل ولماذا لا ننصب لها فخاخا. يا سبحان اللّه.
ومن اين نجيء لها بقطعة الجبن نلقى بها فى تلك
الفخاخ لنصيدها، وقد اصبحنا أولى "بالجبن"
من تلك الفيران، بعد أن أمسيت أنت فى شغل
بقضاء حاجات الاصدقاء والخلان ...
صه ... ترى ما هذه الضوضاء التى قامت
فى الدور الاول من البيت. وما هذه الحركة التى
اسمعها في "بير السلم"، لا يدهشنى ان تكون
اللصوص قد تسللت الى بيتنا لسرقته. قد تقول